يأمرهم: {أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} أي: وحدوا الله بالعبادة واتركوا وفارقوا عبادة ما سواه، ولهذا خُلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب، وفي قوله - تعالى-: {اعْبُدُوا اللّهَ} الإِثبات، وقوله {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النفي، وهذه طريقة القرآن يقرن النفي بالإِثبات، فينفي ما سوى الله، ويثبت عبادة الله وحده، والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد.
وفي الآية - عباد الله - بيان عظم شأن التوحيد، وإقامة الحجة على العباد، فمن عبد الله ولم يكفر بالطاغوت فليس بموحد، وما أكثر الجهل بذلك في هذا الزمان، فمن يعبد الله وهو لا يعتقد بطلان عبادة القبور فهو غير موحد.
وقال - عز وجل - في الآية الأخرى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] الآية.
أي: أمر ووصى وأوجب على ألسن رسله أن يُعبد وحده دون ما سواه، والمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي الديني، واشتملت هذه الآيات على جُملة الشرائع، وابتُدِئت بالتوحيد؛ فدل على أنه أوجب الواجبات، إذ لا يبتدأ إلا بالأهم فالمهم، وختمت الآيات بالنهي عن الشرك، فدل على أنه أعظم المحرمات، وثنت بالإِحسان إلى الوالدين، فقد قرن الله - سبحانه - الإحسان إليهما بعبادته - جل وعلا-، للتنبيه على فضلهما وتأكيد حقهما، وأنه أوجب الحقوق بعد حق الله - تعالى - فالبر بهما من أسباب دخول الجنة، ولم يخص - سبحانه - نوعًا من أنواع الإِحسان إليهما ليعم جميع أنواعه؛ من لين الكلام والدعاء لهما وغير ذلك.