الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا كما يحب ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله:
إن الخوف من الله: حصن من المهلك وحماية دون المنزلقات، والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك؛ بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًا لازمًا، بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله - عز وجل - لم يكن محمودًا.
قال الحسن: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن.
فإذن لا بد من الجمع بين هذه الأمور، وغلبة الخوف هو الأصلح، ولكن قبل الإِشراف على الموت، أما عند الموت فالأصلح غلبة الرجاء وحسن الظن.
قال ابن القيم: القلب في سيره إلى الله - عز وجل - بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان، فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضه لكل صائد وكاسر.