ويقول الشاطبي: الكتاب كل الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور البصائر والأبصار، لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة إلا لمن استضاء بهداه على نور من الله، ابتغاء مرضاة الله، والسنة مفسرة وموضحة لكتاب الله - عز وجل-، فهي من وحي الله - عز وجل-، قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] .
ومن هنا - عباد الله - فإن هذا الدين بأصوله ومبادئه وافٍ يفي بحاجات البشرية في كل عصر ومصر، انتشر في أنحاء الدنيا، ودخل تحت سلطانه أجناس البشر، فوسع بمبادئه وقواعده كل ما امتد إليه نفوذه من أصقاع المعمورة، عالج كافة المشكلات على اختلاف البيئات، وما عجز في يوم من الأيام عن أن يقدم لكل سؤال جوابًا، ولكل واقعة فتوى، ولكل قضية حكمًا، ومدونات الفقه والفتاوى برهان للمتشككين.
وكيف لا يكون ذلك والشريعة - كما قال الحافظ ابن القيم - رحمه الله-: مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، عدل كلها، رحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، لقد كانت هذه الشريعة أساس الحكم والقضاء والفتيا في العالم الإِسلامي كله أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، انضوى تحت لوائها أعراق شتى، وامتزجت بها بيئات متعددة، فما ضاقت ذرعًا بجديد، ولا قعدت عن الوفاء بمطلوب.
هذا، وصلوا وسلموا ...