فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 576

ولما ذهب عوف بن مالك ليخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد القرآن قد سبقه، فأتى المستهزئون يعتذرون أنهم لم يقصدوا حقيقة الإِستهزاء، وإنما قصدوا الخوض واللعب، والمراد الهزل لا الجد، والتحدث كما يتحدث الركبان إذا ركبوا رواحلهم، وقصدوا ترويح أنفسهم، وتوسيع صدورهم ليسهل عليهم السفر، وقطع الطريق، فتلا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66] ما يلتفت - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المنافق من غضبه عليه، ولم يقبل عذره الباطل، إذ أن هذه الأمور لا يدخلها الخوض واللعب، وإنما تحترم وتعظم إيمانًا بالله ورسوله، وتعظيمًا لآياته، وتصديقًا وتوقيرًا، والخائض واللاعب منقص لها، وعلى المؤمن أن يخاف على نفسه من النفاق، فقد كان أصحاب تلك المقالة السيئة مؤمنين قبل مقالتهم تلك، ثم وقعوا في الكفر بسببها: {قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فقد كان إيمانهم ضعيفًا، ولهذا لم يمنعهم من الاستهزاء بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلماء وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله، وفيه أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو عمل يعمله.

قال الشيخ محمد عبد الوهاب - رحمه الله-: القول الصريح في الاستهزاء هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح فمثل مد الشفة، وإخراج اللسان ورمز العين، وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة فكيف بالتوحيد؟! وقال: فيه - وهي العظيمة - أن من هزل بهذا أنه كافر، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله، وبين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يُقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت