الخطبة الثانية
الحمد لله، العظيم في قدره، العزيز في قهره، العليم بحال العبد في سره وجهره، يسمع أنين المظلوم عند ضعف صبره، ويجود عليه بإعانته ونصره، أحمده على القدر خيره وشره، وأشكره على القضاء حلوه ومره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآيات الباهرة ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، جاهد في الله حق جهاده طول عمره، وسائر دهره، صلى الله عليه وعلى سائر آله وأصحابه، ما جاد السحاب بقطره، وطل الربيع بزهره، وسلم تسليمًا كبيرًا.
أما بعد عباد الله:
فقد قال - عز وجل - في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35] .
والتقوى هنا اجتناب الكفر والفسوق والعصيان، وأما الجهاد في سبيله فهو بذل الجهد في مقاومة أهل الانحراف والإِلحاد والكفران، وأما ابتغاء الوسيلة إليه فهي التقرب إليه بأصول الإِيمان وشرائع الإِسلام وحقائق الإِحسان، من تعبَّد له، أو دعاه بأسمائه وصفاته، فذاك أفضل الوسائل، ومن توسل إليه بإحسانه ونعمه وجوده وكرمه، فقد سلك مسلك الأصفياء الأفاضل، ومن تقرب إليه بترك معاصيه والعمل بما يرضيه، فهو الذي لا شك إلى كل خير واصل، ومن توسل إليه بحاجته وفقره وضرورته فقد توسل إليه بخير الوسائل، ومن توسل إليه بذوات المخلوقين وجاههم فهو