أقسم الله - سبحانه - بها في قوله: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} [الذاريات: 1] وهي الرياح تذرو المطر، وتذرو التراب، وتذرو النبات إذا تهشم، ثم أقسم بما فوقها وهو السحاب: {فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات: 2] أي: ثقلًا من الماء سوقها الله - سبحانه - على متون الرياح، فالقسم بها دليل على أنها من أعظم آياته.
هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض، يدرك جسمه بحس اللمس عند هبوبه، ـ ولا يُرى شخصه، يجري بين السماء والأرض، والطير مُحلقة فيه سابحة بأجنحتها في أمواجه كما تسبح حيوانات البحر في الماء وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحر، فإذا شاء الله - سبحانه - حرَّكه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحًا للسحاب، وإن شاء حركه بحركة عذاب فجعله عقيمًا، وأودعه عذابًا أليمًا، وجعله نقمة على من شاء من عباده، فجعله صرصرًا ونحسًا،، وعاتيًا ومفسدًا لما يمر به ومسببًا للفيضان المدمر.
وهي في قوتها أشد من الحديد والنار والماء، ومع ذلك فهي ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية، سريعة التأثر والتأثير، لطيفة المسار بين السماء والأرض.
تأمل هذا الهواء وما فيه من المصالح؛ فإنه حياة هذه الأبدان، والممسك لها من داخل بما تستنشق منه، ومن خارج بما تباشر به من روحه، فتتغذى به ظاهرًا وباطنًا.
فحياة ما على الأرض من نبات وحيوان بالرياح؛ فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوى النبات، ومات الحيوان، وفسدت المطاعم، وأنتن العالم وفسد، فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «الرياح من روح الله تأتي بالرحمة» .