الرياح تلقح الشجر والنبات، وتسير السفن، ومن منافعها أنها تُبرد الماء، وتضرم النار التي يراد إضرامها، وتجفف الأشياء التي يحتاج إلى جفافها، وهو الحامل لهذه الروائح على اختلافها ينقلها من موضع إلى موضع، فتأتي العبد الرائحة من حيث تهب الريح، وهو أيضًا الحامل للحر والبرد اللذين بهما صلاح الحيوان والنبات.
وتأملوا الحكمة البالغة في كون الريح في البحر تأتي من وجه واحد لا يعارضها شيء؛ فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة، من وجه واحد لسيرها، فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك، فالمقصود بها في البحر غير المقصود بها في البر؛ في البر جعل لها رحًا أخرى تقابلها وتكسر سورتها وحدتها فيبقى لينها ورحمتها، فرياح الرحمة متعددة، وأما ريح العذاب فإنها ريح واحدة ترسل من وجه واحد لإِهلاك ما ترسل بإهلاكه، فلا تقوم لها ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها.
وجعل - سبحانه - الريح للسفن بقدر لو زاد عليها لأغرقها، ولو نقص عنه أعاقها.
والرياح تحمل الصوت عند اصطكاك الأجرام وتؤديه إلى مسامع الناس، فينتفعون به في حوائجهم ومعاملاتهم بالليل والنهار، كالبريد والرسول الذي من شأنه حمل الأخبار، وتَحْدُثُ الحركات العظيمة من حركاتهم فلو كان اثر هذه الحركات والأصوات يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب والقرطاس لامتلأ العالم منه، ولعظم الضرر به واشتدت مؤنته، واحتاج الناس إلى محوه من الهواء، والاستبدال به أعظم من حاجتهم إلى استبدال الكتاب المملوء كتابة، فاقتضت حكمة العزيز الحكيم أن جعل هذا الهواء