فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 576

هذا القول يقطع احتجاج العاصي بالقدر على معصيته؛ لأننا نقول لهذا الذي عصى الله - عز وجل - وقال: هذا مقدر علي: ما الذي أعلمك أنه مقدر عليك حتى أقدمت؛ أفلا كان الأجدر بك أن تُقدر أن الله - تعالى - قد كتب لك السعادة وتعمل بعمل أهل السعادة لأنك لا تستطيع أن تعلم أن الله كتب عليك الشقاء إلا بعد وقوعه منك؟

قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ؛ فالقول بأن القدر سر من أسرار الله مكتوم لا يطلع عليه إلا بعد وقوع المقدور تطمئن له النفس، وينشرح له الصدر، وتنقطع به حجة البطالين.

وقوله: «خيره وشره» الخير: ما يلائم العبد، والشر: ما لا يلائمه، ومعلوم أن المقدورات خير وشر؛ فالطاعات خير، والمعاصي شر، والغنى خير، والفقر شر، والصحة خير، والمرض شر، وهكذا.

وإذا كان القدر من الله؛ فكيف يقال: الإِيمان بالقدر خيره وشره؛ والشر لا ينسب إلى الله؟

فالجواب: أن الشر لا يُنسب إلى الله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك» [رواه مسلم] ؛ فلا يُنسب إليه الشر لا فعلًا ولا تقديرًا وحكمًا، بل الشر في مفعولات الله لا في فعله، ففعله كله خير وحكمة، فتقدير الله لهذه الشرور له حكمة عظيمة، وتأمل قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] ؛ تجد أن هذا الفساد الذي ظهر في البر والبحر كان لما يوحي به من العاقبة الحميدة، وهي الرجوع إلى الله - عز وجل-.

هذا، وصلوا وسلموا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت