الكرسي، وفوق الكرسي البحر، وبينهما مسيرة خمسمائة عام.
وعمق البحر مسيرة خمسمائة عام، وفوق البحر العرش، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم.
عباد الله:
إن التفكر في عظمة الخالق وقدرته وعجائب خلقه وخضوع المخلوقات له يدل على استحقاقه - تعالى - للعبادة وحده، ويزيد المسلم إيمانًا ومعرفة بربه، وخوفًا ومحبة وتعظيمًا له، قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .
وإن الإيمان بأن الله لا يخفى عليه شيء، في الأرض ولا في السماء، يوجب للعبد تعظيم الله وخشيته ومراقبته فلا يراه الله حيث نهاه، ولا يفتقده حيث أمره، إذا لا يليق بالمخلوق الضعيف أن يعصي خالقه العظيم، وهو يعيش في أرضه، وأكل من رزقه، ويتقلب في نعمه، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
قال شيخ الإسلام: وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة نبيه، وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأمة، مملوء بما هو إما نص أو ظاهر؛ أن الله فوق كل شيء، وأنه فوق العرش، فوق السموات، مستو على عرشه، وقال أبو عمرو الطلمنكي في كتاب الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته، وقال فيه أيضًا: أجمع أهل السنة على أن الله استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، ثم قال: أجمع المسلمون أن معنى قوله {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ونحو ذلك