بل قد يكون الأمر أبلغ بأن تقع الواقعة والنص يظل منسيا حتى يحتاج الصحابي إلى التذكير خذ مثلا ما جرى بين علي والزبير رضي الله عنه يوم الجمل، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: شهدت عليا والزبير، لما رجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبدالله فقال: مالك؟ فقال: ذكر لي علي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لتقاتلنه وأنت ظالم له) فلا أقاتله، قال: وللقتال جئت، إنما جئت لتصلح بين الناس ويصلح الله هذا الأمر بك، قال: قد حلفت أن لا أقاتل، قال: فأعتق غلامك جرجس وقف حتى تصلح بين الناس، قال: فأعتق غلامه جرجس ووقف، فاختلف أمر الناس فذهب على فرسه. (1)
فهذا طرف مما يتعلق بحال الصحابة وتنزيلاتهم، وخلاصته أنهم رضي الله عنهم أفقه هذه الأمة وأعلمها بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال حديثه، وأعرفها بلغة العرب وطرائقهم في البيان، فإذا انضاف هذا كله بما تقدم بيانه من وفرة النصوص في الفتن عندهم وأن عندهم من النصوص ما ليس عند من بعدهم وفيها التعيين من النبي صلى الله عليه وسلم بالأسماء والأوقات أحيانا دل ذلك على أن لتنزيلاتهم شأنا ليس كشأن أقوال من بعدهم، فقياس بعض المتأخرين أحوالهم على أحوال الصحابة بإطلاق خطأ لكونه قياسا مع الفارق، نعم ما ثبت كونه باجتهاد منهم رضي الله عنهم فللمجتهد أن يجتهد كاجتهادهم، واجتهادهم دليل جواز الاجتهاد في هذا الباب.
(1) رواه الحاكم برقم: 5629 ، وانظر السلسلة الصحيحة 2659.