وتكرر الفتح واقع ملموس لا يجادل فيه، ولكن الذي قد يقع فيه المنازعة أيها مقصود الحديث، فمعرفة قصد الشارع في مثل هذا يكون بالنظر في النص والتأمل فيه عل فيه قرينة تدل على المراد، وهذا النص كذلك، تأمل في نص الحديث كاملا من حديث عوف بن مالك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم، فقال: (اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم فتح بيت المقدس شرطا من بين ست يدل على أن واحدا من فتوحها هو المقصود، والترتيب الواقع في الحديث يرجح أن الفتح المقصود هو ما وقع في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد ذكر الشراح أن الموتان المذكور ما وقع من طاعون عمواس، واستفاضة المال في عهد عثمان من الفتوح والفتنة ما وقع من فتنة عثمان رضي الله عنه والقصد أن فتح بيت المقدس في عهد عمر هو المنسجم في هذا الترتيب.
ومما يقرب من هذا من الأشراط والآيات، فتح القسطنطينية (1) ، الموت الذي كقعاص الغنم (2) ، وترك أهل المدينة للمدينة (3) ، وغير ذلك.
(1) انظر صحيح مسلم 2897 ، وسنن الترمذي 2239 ، وسنن أبي داود 4294 ، والسلسلة الضعيفة 4 و 878 ، وتحذير الساجد 119.
(2) انظر صحيح البخاري 3176 ، وسنن ابن ماجة 4042 ، والمسند 3176 ، والإذاعة 108.
(3) انظر صحيح مسلم 1359 ، والمسند 8773 ، والإشاعة 80.