قُلْت: الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الَّذِي شَاهَدَهُ كَانَ مِنْهُ الْكَثِير مَعَ وُجُود مُقَابِله، وَالْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث اِسْتِحْكَام ذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِمَّا يُقَابِلهُ إِلَّا النَّادِر، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِالتَّعْبِيرِ بِقَبْضِ الْعِلْم فَلَا يَبْقَى إِلَّا الْجَهْل الصِّرْف، وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ وُجُود طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ حِينَئِذٍ مَغْمُورِينَ فِي أُولَئِكَ، وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ قَوِيّ عَنْ حُذَيْفَة قَالَ: (يَدْرُس الْإِسْلَام كَمَا يَدْرُس وَشْي الثَّوْب حَتَّى لَا يَدْرِي مَا صِيَام وَلَا صَلَاة وَلَا نُسُك وَلَا صَدَقَة وَيُسْرَى عَلَى الْكِتَاب فِي لَيْلَة فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْض مِنْهُ آيَة) الْحَدِيث) إلى أن قال: (وَكَذَا الْقَوْل فِي بَاقِي الصِّفَات، وَالْوَاقِع أَنَّ الصِّفَات الْمَذْكُورَة وُجِدَتْ مَبَادِيهَا مِنْ عَهْد الصَّحَابَة ثُمَّ صَارَتْ تَكْثُر فِي بَعْض الْأَمَاكِن دُونَ بَعْض، وَاَلَّذِي يَعْقُبهُ قِيَام السَّاعَة اِسْتِحْكَام ذَلِكَ كَمَا قَرَّرْته، وَقَدْ مَضَى مِنْ الْوَقْت الَّذِي قَالَ فِيهِ اِبْنِ بَطَّال مَا قَالَ نَحْو ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَة وَالصِّفَات الْمَذْكُورَة فِي اِزْدِيَاد فِي جَمِيع الْبِلَاد لَكِنْ يَقِلّ بَعْضهَا فِي بَعْض وَيَكْثُر بَعْضهَا فِي بَعْض، وَكُلَّمَا مَضَتْ طَبَقَة ظَهَرَ النَّقْص الْكَثِير فِي الَّتِي تَلِيهَا، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي بَعْده(لَا يَأْتِي زَمَان إِلَّا وَاَلَّذِي بَعْده شَرّ مِنْهُ ) ) (1) .
قال صديق حسن خان معلقا على كلام الحافظ هذا:
(1) الفتح 13/18.