وقد قال ابن خلدون مشتكيا من أحوال مدعي المهدوية في زمانه وقبل زمانه قال: (إلى كلام من أمثال هذا يعينون فيه الوقت، والرجل، والمكان، بأدلة واهية وتحكمات مختلفة فينقضي الزمان، ولا أثر لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تجديد رأي آخر منتحل كما تراه من مفهومات لغوية، وأشياء تخيلية، وأحكام نجومية، في هذا انقضت أعمار الأول منهم والآخر) (1) ، وصدق رحمه الله ومن تأمل في أحوال كثير من الكتاب وجدهم على هذه الشاكلة يقررون بالأمس كلاما فيكذبهم العلماء فيأتي الواقع مصدقا أهل العلم مكذبا لهم، فيكون الواقع واعظا لهم علهم ينزجرون أو على الأقل يستحيي من الخلق ولكنهم يعيدون الكرة بعد الكرة، وكأن شيئا لم يكن وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) (2) .
ومن تتبع أحول أهل العلم وجدهم على هذه القاعدة كافين عن ذكر تحديد لوقوع النصوص وتحققها بتواريخ معينة، وغاية ما يصنعونه في هذا الباب أن يقولوا: إن وقت هذه الواقعة في زمن المهدي مثلا أو عيسى بن مريم، أو قبله أو بعده ونحو ذلك، بما يعود إلى مسألة الترتيب بين الأشراط والعلامات، أما تحديد التواريخ فليست محلا للاجتهاد والاستنباط ومن خاض في مثل هذا كان خائضا في ضرب من الكهانة والتنجيم والعياذ بالله.
(1) المقدمة لابن خلدون 2/ 816.
(2) رواه البخاري 6120، وأبو داود 4797، وابن ماجة 4183، والإمام أحمد في المسند 2184.