فتأمل هذا الاختلاف الواسع في معنى تقارب الزمان، وتأمل أثره في عملية تنزيله على زمان دون زمان، ومكان دون مكان، إذ أن مريد التنزيل يتتبع الواقع ليوقع عليه ما ترجح عنده من هذه المعاني، ومما يؤكد هذا المعنى في الارتباط بين المعنى والتنزيل قول الحافظ في معرض كلامه حول التقارب في هذا الحديث هل هو حسي أو معنوي قال: (أَمَّا الْحِسِّيّ فَلَمْ يَظْهَر بَعْد وَلَعَلَّهُ مِنْ الْأُمُور الَّتِي تَكُونُ قُرْب قِيَام السَّاعَة، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيّ فَلَهُ مُدَّة مُنْذُ ظَهَرَ) (1) .
ومما يحسن التنبه إليه إلى أنه قد يترجح للباحث في تفسير الحديث معنى واحد من المعاني لأدلة قامت عنده على صحة هذا المعنى وبطلان ما سواه، فالتنزيل والحالة هذه يكون وفق المعنى المترجح لا غيره، وقد لا يظهر للباحث صحة معنى واحد على الخصوص بل قد يقوم في نفسه احتمال النص لأكثر من معنى على وجه متساو أو متقارب فالتنزيل والحالة هذه يكون على جملة من المعاني الصحيحة التي يمكن حمل النص عليها، ويكون كل تنزيل مضبوطا بمعناه، فيقال إن حمل النص على هذا المعنى فالشرط قد تحقق مثلا في زماننا أو زمن متقدم، وإن حمل على هذا فلم يتحقق بعد، والله أعلم.
ومما يحسن التنبه إليه كذلك أن الواجب أن يتطلب المعنى أولا ثم يطبق على الواقع لا أن يجعل الواقع حكما في تحديد المعاني، إذ قد يكون المعنى المقصود مما لم يتحقق بعد في الواقع، فلا يصح تحديد المعنى استعجالا لتنزيل النص، وسيأتي مزيد بيان (2) وإنما استعجلت ذكره هنا لمناسبة حديث تقارب الزمان فقد قال الحافظ معلقا على كلام للخطابي في الحديث:
(1) الفتح 13/ 19.
(2) وذلك تحت المعلم التاسع (أن يكون النص حكما على الواقع لا العكس) .