وقريب من هذا الاختلاف في فهم النص صنيع القاضي عياض في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى) (1) ، إذ أنه حمل هذا النص على حديث النار التي تخرج في آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم وصير النارين نارا واحدة.
قال الإمام النووي في الحديث السابق:
(فقد جعلها القاضي عياض حاشرة، قال: ولعلهما ناران يجتمعان لحشر الناس، قال: أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، ويكون ظهورها وكثرة قوتها بالحجاز، هذا كلام القاضي وليس في الحديث أن نار الحجاز متعلقة بالحشر، بل هي آية من أشراط الساعة مستقلة، وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارا عظيمة جدا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان وأخبرني من حضرها من أهل المدينة) (2) .
فالجمهور تعاملوا مع كل نص على حدة ولم يحملوا كل نص على الآخر، بخلاف صنيع القاضي عياض فترتب عليه الاختلاف الواقع في وقوع هذا الشرط من عدمه، والصحيح أن النار المذكورة في هذا الحديث هي غير تلك، وعليه فيمكن أن يقال: إن إحدهما قد ظهرت والأخرى لم تظهر وهو الذي عليه الجمهور من أهل العلم ممن تتابع على ذكر هذه النار ووقوعها وصفتها وصفة خروجها وانطباق النص المذكور عليها (3) .
(1) رواه البخاري 7118 ، ومسلم 2902.
(2) شرح صحيح مسلم 18/28 ، وانظر التذكرة 2/517 ، والإشاعة 373 ،والإذاعة 98.
(3) انظر التذكرة 2/488 ، و البداية والنهاية م7 13/226.