وقد تقرر بين الفقهاء أن انتفاء الشرط علامة على عدم المشروط فإنه ينتفي بانتفائه [1] , فإذا انتفى العلم الذي هو الشرط انتفى التكليف الذي هو المشروط, وقد تقدم معنا أن الجهل نقيض العلم, والنقيضان إذا ارتفع أحدهما ثبت الآخر, فإذا ارتفع العلم ثبت الجهل, فيكون الجهل مانعا من التكليف كما أن العلم شرط له, فإن عدم الشرط مانع وعدم المانع شرط, وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله:"الشرط ينقسم إلى وجودي وعدمي, بمعنى أن وجود كذا شرط فيه وعدم كذا شرط فيه, وهذا متفق عليه بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين وسائر الطوائف, وما كان عدمه شرطا فوجوده مانع, كما أن ما وجوده شرط فعدمه مانع, فعدم الشرط مانع من موانع الحكم وعدم المانع شرط من شروطه" [2] .
فنخلُص من هذا كلِّه بأن الجهل مانع من موانع التكليف, والمانع في اصطلاح أهل الأصول هو: ما لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم, ولكنه يلزم من وجوده عدم الحكم, كالحيض بالنسبة للصلاة والصوم مثلًا, فإن عدم الحيض لا يلزم منه وجودهما ولا عدمهما لأن المرأة الطاهرة قد تصلي وتصوم وقد لا تفعل ذلك بخلاف وجود الحيض فإنه مانع من الصلاة والصوم [3] , فيلزم إذًا من وجود الجهل عدم التكليف, ومن هنا عُدَّ عارضًا للأهلية, فقد مر معنا في التعريف اللغوي للعارض أن كل مانع منعك من شغل وغيره من الأمراض فهو عارض، وقد عرض عارض، أي حال حائل ومنع مانع, ومر أيضا أن العوارض سُميت بذلك لمنعها الأحكامَ المتعلقة بأهلية الوجوب أو الأداء عن الثبوت, فظهرت العلاقة بين العارض والمانع.
(1) روضة الناظر (ص 332) .
(2) بدائع الفوائد لابن القيم (4/ 817) .
(3) مذكرة الشنقيطي (ص 52) .