قال الشوكاني رحمه الله:"المعنى أن الله أرسل الرسل إلى عباده لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من القرى، والحال أنهم غافلون عن الإعذار والإنذار بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم، وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم" [1] .
ومنها قوله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [2] .
قال الطبري رحمه الله:"وأما قوله: {قَالَ اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإنه يعني: قال عيسى للحواريّين القائلين له: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} راقبوا الله أيها القوم وخافوه أن يَنْزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا, فإن الله لا يعجزه شيء أراده, وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء كفر به فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يقول: إن كنتم مُصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} " [3] .
وقال ابن حزم [4] رحمه الله:"فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عز وجل عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} ولم يَبطُل بذلك إيمانهم وهذا ما لا مخلص منه, وإنما كانوا يكفرون لو قالوا ذلك بعد قيام الحجة وتبيينهم لها" [5] .
وبعد هذا, فقد يقول قائل: هذه الأدلة إنما تصلح في العذر قبل ورود الشرع, أما بعد نزول الآيات وبيان النبي / للأحكام فلا يستقيم الاستدلال بها.
فنقول: لا فرق بين هذا وذاك, فالتكليف شرطه العلم, وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط, سواء كان ذلك قبل ورود الأمر والنهي, أو بعد وروده وعدم تمكُّن المكلَّف من الوصول إليه.
قال ابن حزم رحمه الله:"اختلف الناس فيمن لم يبلغه الحكم الوارد من الله تعالى في الشريعة في خاص منها أو في جميعها:"
فقالت طائفة: كل أحد مأمورٌ منهيٌّ ساعةَ ورود الأمر والنهي إلا أنه معفوّ عنه غير مؤاخَذ بما لم يبلغه من الأمر والنهي.
وقالت طائفة: إن الله تعالى لم يأمر قط بشيء من الدين إلا بعد بلوغ الأمر إلى المأمور وكذلك النهي ولا فرق, وأما قبل انتهاء الأمر أو النهي إليه فإنه غير مأمور ولا منهي.
قال علي [6] : وبهذا نقول لقول الله عز وجل: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [7] / لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
(1) فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدراية من علم التفسير (2/ 163) .
(2) [المائدة: 112]
(3) تفسير الطبري (7/ 131) .
(4) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري, كان حافظًا عالمًا بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب، فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر، من كتبه: الإحكام لأصول الأحكام, توفي سنة (456 هـ) . [وفيات الأعيان: 3/ 325 - 329]
(5) الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 141) .
(6) هو ابن حزم نفسه, فهو تارة يقول قال علي, وتارة قال علي بن أحمد, وتارة قال أبو محمد, فتنبه.
(7) [الأنعام: 19]