وقد ذُكر عن عطاء [1] وقتادة أن النجاشي [2] كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعددة, فلما صلى عليه النبي / بقي في أنفس الناس لأنه كان يصلي إلى غير الكعبة حتى أنزل الله هذه الآية [3] , وهذا والله أعلم بأنه قد كان بلغه أن النبي / يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه, ولهذا لم يصلّ إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى, ثم لم يبلغه خبر النسخ لبُعد البلاد فعُذر بها كما عُذر أهل قُباء وغيرهم, فإن القبلة لما حُوّلت لم يبلغ الخبر إلى مَن بمكة من المسلمين ومن كان بأرض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه ومن كان قد أسلم ممن هو بعيد عن المدينة إلى مدة طويلة أو قصيرة, ولم يأمر النبي / أحدا منهم بإعادة ما صلاه إلى بيت المقدس قبل علمه بالناسخ, وما ذلك إلا لأنه معذور لعدم العلم, وأنه كان متمسكا بشريعة فلما لم يبلغه نسخها لم يثبت في حقه حكم النسخ لأن الله لا يكلفه علم الغيب" [4] ."
ويقول ابن تيمية أيضا:"والصحيح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن الخطاب لا يثبت في حق أحد قبل التمكن من سماعه" [5] .
ويقول ابن القيم رحمه الله:"الشريعة تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم, كما عذر النبي / المسيء في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة فلم يأمره بإعادة ما مضى، وعذر الحامل المستحاضة بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة ولم يأمرها بإعادة"
(1) عطاء بن أبي رباح مفتي أهل مكة ومحدثهم, أبو محمد بن أسلم القرشي مولاهم المكي الأسود, من أواسط التابعين, قال أبو حنيفة: ما رأيت أحدا أفضل من عطاء, توفي سنة (114 هـ) بمكة. [تذكرة الحفاظ للذهبي: 1/ 98]
(2) أصحمة بن أبحر النجاشي ملك الحبشة واسمه بالعربية عطية والنجاشي لقب له, أسلم على عهد النبي / ولم يهاجر إليه, كان عبدا صالحا وكان عادلا عالما وكان ردءا للمسلمين نافعا, مات بعد غزوة خيبر. [البداية والنهاية لابن كثير: 3/ 77 - 78, والإصابة لابن حجر: 1/ 205]
(3) يعني قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} [البقرة: 115]
(4) شرح العمدة في الفقه لابن تيمية (4/ 547 - 548) .
(5) مجموع الفتاوى (11/ 407) .