فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 135

وقال ابن حزم رحمه الله:"ومما يدل على أن الشرائع لا تلزم إلا من عرفها ما صح عن النبي / من أنه لم يزجُر عديّ بن حاتم عما تأوّله في العاقلين لكن علّمه, وسقط اللَّوْم عن عدي لأنه تأوّل جاهلًا, وأنه / لم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة إذْ تكلم فيها عامدًا, وأنه / أمر الذي لم يُتِمَّ صلاته مطمئنا في ركوعه وسجوده بالإعادة مِرارًا, فلمّا أعلمه أنه لا يدري أكثر علَّمه, ولم يذكر الراوي أنه أمره بإعادةٍ, إلا أنّ أمْرَه / بأن يعمل ما علّمه أمرٌ له بعمله, وكذلك ما نص من صلاة أهل قُباء إلى بيت المقدس وقد كان نسخ ذلك, وأنه / لم يُقِدْ [1] من أسامة إذ قتل الرجل بعد قوله لا إله إلا الله وأعلمه / أنه قد فعل في ذلك ما لا يَحِلّ, وكذلك لم يُقِدْ / بني جَذِيمة ممن قتلهم مع خالد بن الوليد, فهذا يبطل قول من أوجب إعادة صلاة أو إقامة حدّ [2] أو قضاء صوم على جاهل متأول, وبذلك قضى عمر وعثمان إذ درء الحدّ عن السوداء المعترفة بالزنى لجهلها بتحريمه وهذا بيِّنٌ وبالله تعالى التوفيق" [3] .

وقال ابن تيمية رحمه الله:"كأهل قُباء فإنهم لما بلغهم الخبر في أثناء الصلاة استداروا إلى جهة الكعبة ولم يستأنفوا الصلاة إلى الكعبة ولم يأمرهم النبي / بالإعادة مع أن القبلة كانت قد حُوِّلت بعد دخولهم في الصلاة, ولا فرق بين عدم العلم بوجود الاستقبال لتجدّد النسخ, وعدم العلم بالجهة الواجبة, إذا كان في كِلا الأمرين معذورا, ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها, وهذه الدلالة اعتمدها أحمد / في غير موضع من مسائله,"

(1) من القَوَد بفتحتين القصاص, وأقَاد القاتلَ بالقتيل قتله به, يقال: أقادَهُ السلطان من أخيه, واستقاد الحاكمَ سأله أن يُقيد القاتلَ بالقتيل. [مختار الصحاح (قود) ]

(2) الحدّ في الأصل المنع والفصل بين شيئين, وحدود الله تعالى محارمه, وحدود الله أيضا ما حدَّه وقدَّره, فلا يجوز أن يُتعدَّى كالمواريث المعيَّنة وتزويج الأربع ونحو ذلك مما حدّه الشرع, فلا يجوز فيه الزيادة ولا النقصان, والحدودُ العقوباتُ المقدّرة, يجوز أن تكون سميت بذلك من الحدّ المنع لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب, وأن تكون سميت بالحدود التي هي المحارم لكونها زواجر عنها, أو بالحدود التي هي المقدرات لكونها مقدَّرة لا يجوز فيها الزيادة ولا النقصان. [المطلع على أبواب المقنع للبعلي: ص 370]

(3) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (5/ 112) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت