يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل, فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها والعقاب عليها مشروط بالشرع.
فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة, وقبحُها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع.
والمعتزلة تقول: قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل.
وقد دل القرآن أنه لا تلازم بين الأمرين, وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل, وأن الفعل نفسه حسن وقبيح, ونحن نبين دلالته على الأمرين.
أما الأول: ففي قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [1] , وفي قوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [2] , فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل بل للنُّذُر وبذلك دخلوا النار, وقال عز وجل: {وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [3] , فهذا يدل على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم ولولا قبحه لم يكن سببا, لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها وهو عدم مجيء الرسول إليهم, فمذ جاء الرسول انعقد السبب ووُجد الشرط فأصابهم سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر.
وأما الأصل الثاني: وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح, فكثير جدا, كقوله تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا
(1) [الإسراء: 15]
(2) [الملك: 8 - 9]
(3) [القصص: 47]