فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 135

وبعد تصور هذا المذهب ولوازمه يجزم العقل ببطلانه, وقد دل القرآن على فساده في غير موضع والفطرة أيضا وصريح العقل, فإن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ومقابلة النعم بالشكر, وفطرهم على استقباح أضدادها, ونسبةُ هذا إلى فِطَرهم وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم, وكنسبة رائحة المسك ورائحة النتن إلى مشامهم, وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم, وكذلك كل ما يدركونه بمشاعرهم الظاهرة والباطنة فيفرقون بين طَيِّبه وخبيثه ونافعه وضاره.

وقد زعم بعض نفاة التحسين والتقبيح أن هذا متفق عليه وهو راجع إلى الملائمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطباع وقبولها للشيء وانتفاعها به ونفرتها من ضده, قالوا: وهذا ليس الكلام فيه, وإنما الكلام في كون الفعل متعلقا للذم والمدح عاجلا والثواب والعقاب آجلا, فهذا الذي نفيناه وقلنا إنه لا يُعلم إلا بالشرع وقال خصومنا إنه معلوم بالعقل والعقلُ مقتضٍ له.

فيقال: هذا فِرارٌ من الزحف, إذ ههنا أمران متغايران لا تلازم بينهما:

أحدهما: هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حُسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه فيكون منشأ لهما أم لا؟

والثاني: أن الثواب المرتب على حسن الفعل والعقاب المرتب على قبحه ثابت بل واقع بالعقل أم لا يقع إلا بالشرع؟

ولمّا ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطَلْتم عليهم وتمكّنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم, ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعا استطالوا عليكم وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه, وهم غَلِطوا في تلازم الأصلين وأنتم غلِطتم في نفي الأصلين.

والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل أنه لا تلازم بينهما وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة كما أنها نافعة وضارة, والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات, ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي, وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح, والله لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت