رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [1] , وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} [2] , فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولا، وبين أنهم كانوا قبل الرسول قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم وهي سبب للعذاب لكن شرط العذاب قيام الحجة عليهم بالرسالة" [3] ."
وننبه هنا على أن كل ما أوردناه في الباب الثاني من أدلة وآثار يصلح ردًا على القائلين بأن التحسين والتقبيح يقتضيان ثوابا وعقابا.
ثم إنَّ لابن القيم رحمه الله كلامًا قيِّمًا في مناقشة نفاة التحسين والتقبيح العقليين, ولطوله نورده مع شيء من الاختصار غير المُخِلِّ بالمعنى مع المحافظة على عباراته هو.
فيقول رحمه الله:"اعلم أن هذا مقام عظيم زلَّت فيه أقدام طائفتين من الناس: طائفة من أهل الكلام والنظر وطائفة من أهل السلوك والإرادة, فنفَى لأجله كثير من النُظَّار التحسينَ والتقبيح العقليين, وجعلوا الأفعال كلَّها سواءً في نفس الأمر, وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح, ولا يُمَيَّز القبيح بصفة اقتضت قبحه بحيث يكون مَنشأ القبح, وكذلك الحَسَن, فليس للفعل عندهم منشأ حُسْن ولا قبح ولا مصلحة ولا مفسدة, ولا فرق بين السجود للشيطان والسجود للرحمن في نفس الأمر, ولا بين الصدق والكذب ولا بين السفاح والنكاح, إلا أن الشارع حرَّم هذا وأوجب هذا, فمعنى حُسنه كونُه مأمورًا به لا أنه منشأ مصلحة, ومعنى قبحه كونه منهيا عنه لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت قبحه, ومعنى حسنه أن الشارع أمر به لا أنه منشأ مصلحة ولا فيه صفة اقتضت حسنه."
(1) [القصص: 47]
(2) [طه: 134]
(3) الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح لابن تيمية (2/ 311 - 314) .