فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 135

الأفعال سواء كان لعينها أو لجزئها, أو لمعنى ثبت في غير ذاتها, قال الكمال ابن الهمام - رحمه الله - في «التحرير» :"وهو المختار" [1] .

وهو ما اختاره الإمام الشوكاني رحمه الله, فقد قال:"وبالجملة فالكلام في هذا البحث يطول, وإنكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة ومباهتة, وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلَّقا للثواب وكون ذلك الفعل القبيح متعلقا للعقاب فغير مُسلَّم, وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يُمدح فاعله وهذا الفعل القبيح يُذمّ فاعله, ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقا للثواب والعقاب" [2] .

وقال ابن تيمية رحمه الله - أثناء عرضه لاختلاف العلماء في المسألة:"ومنهم من يقول: لا يعذَّبون حتى يُبعث إليهم رسول كما دل عليه الكتاب والسنة, لكنَّ أفعالهم تكون مذمومة ممقوتة يذمها الله ويبغضها ويوصفون بالكفر الذي يذمه الله ويبغضه، وإن كان لا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا، كما قال النبي / في الحديث الصحيح كما تقدم: إن الله نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتهم عَرَبَهم وعَجَمَهم [3] إلا بقايا من أهل الكتاب، وإن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم, قلت: إذًا يثْلَغوا [4] رأسي حتى يدعوه خبزة, قال: إني مُبتلِيك ومُبتَلٍ بك ومنزل عليك كتابًا لايغسله الماء [5] تقرأه نائمًا ويقظان، فابعثْ جندًا أبعثْ مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأَنفقْ أُنفقْ عليك [6] , وقال: إني خلقت عبادي حنفاء [7] فاجتالتهم [8] الشياطين, وحرّمتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانًا [9] , وقال النبي / في الحديث: كل مولود يولد على الفطرة, وفي رواية: على هذه الملة، فأبواه يُهوِّدانه وينصّرانه ويمجّسانه كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ [10] هل تُحسّون فيها من جَدْعاءَ [11] , ثم يقول أبو هريرة / اقرأوا إن شئتم: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [12] , قيل: يا رسول الله أرأيت من يموت وهو صغير, قال: الله أعلم بما كانوا عاملين [13] . ومع مقت الله لهم، فقد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا, وهذا يدل على إبطال قول من قال: إنهم لم يكونوا مسيئين، ولا مرتكبين لقبيح حتى جاء السمع, وقول من قال: إنهم كانوا معذبين بدون السمع إما لقيام الحجة بالعقل كما يقوله من يقوله من القدرية, وإما لمحض المشيئة كما يقوله المجبرة, قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [14] , وقال تعالى: وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا"

(1) انظر التقرير والتحبير (2/ 119 - 120) , وانظر أيضا (2/ 133) , و (1/ 135) , وانظر فتح الغفار بشرح المنار (1/ 59) .

(2) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (ص 69) .

(3) العَجَمُ ضد العرب الواحد عَجَمِيٌّ والعُجْمُ بالضم ضد العرب أيضا, والعُجْمَةُ في اللسان بضم العين لكنة وعدم فصاحة, وعَجُمَ بالضم عُجْمَةً فهو أَعْجَمُ والمرأة عَجْمَاءُ وهو أَعْجَمِيٌّ بالألف على النسبة للتوكيد أي غير فصيح وإن كان عربيا. [مختار الصحاح مادة (عجم) , المصباح المنير (عجم) ]

(4) أي يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز أي يكسر. [شرح النووي على مسلم: 17/ 198, وانظر القاموس المحيط: ص 1008]

(5) معناه: محفوظ في الصدور لايتطرق إليه الذهاب بل يبقى على مرّ الأزمان. [شرح مسلم للنووي: 17/ 198]

(6) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها من صحيحه برقم (2865) من حديث عياض بن حمار المجاشعي /.

(7) أي مسلمين.

(8) أي استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل. [شرح مسلم للنووي: 17/ 197]

(9) هو قطعة من الحديث السابق.

(10) أي سَلِيمَة من العيوب مُجْتمِعَة الأعْضَاء كاملَتها فلا جَدْعَ بها وَلاَ كَيّ. [النهاية لابن الأثير: 1/ 811]

(11) أي مَقْطوعة الأطراف أو وَاحِدها. [المصدر السابق: 1/ 705]

(12) [الروم: 30]

(13) رواه البخاري في كتاب الجنائز من الصحيح برقم (1318) و (1319) , ومسلم في كتاب القدر من الصحيح برقم (2658) , وأبو داود في كتاب السنة من السنن (4714) , من حديث أبي هريرة /.

(14) [القصص: 59]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت