فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 135

السَّمْعاني [1] رحمه الله:"الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعي رحمة الله عليه أن التكليف يختص بالسمع دون العقل, وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شيء ولا تقبيحه ولا حظره ولا إباحته, ولا يعرف حسن الشيء وقبحه ولا حظره ولا تحريمه حتى يرد السمع بذلك, وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء فيدرك به ما حسن وقبح وأبيح وحرم بعد أن يثبت ذلك بالسمع" [2] .

ولا نزاع للمعتزلة في أن العقل لا يستقل بدرك كثير من الأحكام على تفاصيلها مثل وجوب الصوم في آخر رمضان، وحرمته في أول شوال، ولا نزاع للأشاعرة في أن الشرع محتاج إلى العقل وأن للعقل مدخلا في معرفة الأحكام حتى صرحوا بأن الدليل إما عقلي صرف، وإما مركب من عقلي وسمعي، وإنما النزاع في أن العاقلَ إذا لم تبلغه الدعوة وخطاب الشارع, إما لعدم وروده وإما لعدم وصوله إليه, فهل يجب عليه بعض الأفعال ويحرم بعضها بمعنى استحقاق الثواب والعقاب في الآخرة أم لا؟ فبناء على مسألة الحسن والقبح قال المعتزلة: نعم, وقال الأشاعرة: لا, إذ لا حكم للعقل ولا تعذيب قبل البعثة [3] .

وذهب البخاريّون [4] من الحنفية مذهبًا وسطًا بين المذهبين السابقين, وهو أنه لا تعلق لحكم الله تعالى بفعل المكلف قبل بعثه رسولا إليه وتبليغه حكم الله في ذلك, وهذا بعد إثباتهم كعامة الحنفية اتصاف الأفعال بكل من الحسن والقبح لمعنى ثبت في ذات

(1) منصور بن محمد, أبو المظفر, المروزي السمعاني التميمي, كان إمامَ عصره بلا مدافعة، وكان حنفي المذهب متعينًا عند أئمتهم، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وصار إمام الشافعية بعد ذلك يدرس ويفتي، من كتبه: منهاج أهل السنة, توفي سنة (489 هـ) . [وفيات الأعيان: 3/ 211, والأعلام: 7/ 303 - 304]

(2) قواطع الأدلة في الأصول (2/ 45) .

(3) التلويح (2/ 345) , وهنا تتضح العلاقة بين هذه المسألة وموضوع بحثنا.

(4) نسبة إلى بُخَارَى بالضم من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلها, كان فتحها في سنة (53 هـ) في أيام معاوية / على يد عبيد الله بن زياد بن أبيه, وينسب إلى بخارى خلق كثير من أئمة المسلمين في فنون شتى منهم إمام أهل الحديث البخاري صاحب الصحيح. [معجم البلدان لياقوت الحموي: 1/ 353 - 355]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت