الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام" [1] ."
ويحسُن بنا هنا أن نبيّن الحدّ الفاصل بين العلم العام الذي لا يعذر الإنسان بجهله وما يعذر به.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:"قال لي قائل: ما العلم وما يجب على الناس في العلم؟ فقلت له: العلم علمان: علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهلُه, قال: ومثل ماذا؟ قلت: مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليه منه, وهذا الصنف كله من العلم موجود نصًّا في كتاب الله وموجودًا عاما عند أهل الاسلام ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم, وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل ولا يجوز فيه التنازع. قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يُخَص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة, وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة, لا أخبار العامة وما كان منه يحتمل التأويل ويُستدرك قياسا" [2] .
وقال ابن عبد البر رحمه الله:"قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعيِّن على كل امرئٍ في خاصّة نفسه, ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع, واختلفوا في تلخيص ذلك, والذي يلزم الجميعَ فرضُه من ذلك ما لا يسع الإنسانَ جهلُه من جملة الفرائض المفترضة عليه نحو الشهادة باللسان والإقرار بالقلب بأن الله وحده لا شريك له ولا شبه له ولا مثل له, لم يلد ولم يولد ولم يكن"
(1) جامع العلوم والحكم (1/ 68) .
(2) الرسالة للإمام الشافعي (ص 357 - 359) .