وبعد التأمل إلى القولين وأدلتهم، يرى الباحث أن رأي الجمهور متماشي مع الأصل في المسألة، كما وضّحه صاحب درر الحكام بأن للمضاربة مراحل، فالإيداع أولًا لأنه قبض المال بإذن مالكه لا على وجه المبادلة، وتوكيل عند عمله لأنه يتصرف فيه له بأمر حتى يرجع بما لحقه من العهدة على رب المال، ثم الشركة إن ربح لأنه يحصل بالمال والعمل فيشتركان فيه، وغصب إن خالف لتعديه على مال غيره فيكون ضامنا. [1] قد لاحظنا بأن المعاملة بين الطرفين منذ البداية مبنية على الثقة والأمانة. وهناك الأدلة القوية يقدمها الجمهور تدعم هذا المبدأ. فبناءً على هذه المبررات، نستطيع أن نقول بأن رأي الجمهور أقوى وأرجح.
أما رأي بعض الفقهاء، من ضمنهم الشوكاني رحمه الله، مبني على أمرين: أولًا، الاشتراط في ضمان المضارب مبناه التراضي بين الطرفين. وثانيًا، القياس على مسألة تضمين الصناع والأجير المشترك. فالتراضي في هذه المسألة ليست حجة قوية لمخالفة الأصل ومقتضى العقد، وفضلا عن ذلك أنه قد يؤدي إلى الربا المحرم. وأما القياس على تضمين الصناع بسبب فساد الذمم ولحفظ المصلحة فالحجة معقولة ينبغي أن ننظر إليه ونأخذ في عين الاعتبار عندما نتكلم عن مسألة ضمان المضارب.
الحل المقترح
قد تكلمنا في بداية هذه الورقة أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة متغايرة في طبيعتها وقوتها ومن ثَمّ يؤدي إلى تباين درجة ثقة المؤسسات المالية الإسلامية تجاهها، وكذلك تخوف المؤسسات من ضياع مالها له أساس قوي مدعّم بالإحصائية والتجربة الحقيقية سواء كانت في الماضي أو الحالي.
ولإدارة المخاطر المذكورة أعلاه، يقترح الباحث الحل الآتي: أن يكون الأصل ضمان المضارب رأس مال المضاربة إلا عندما يستطيع أن يأتي المضارب ببينة تدل على عدم تقصيره وتعديته. وبعبارة أخري، إذا ادّعى المضارب تلف المال أو طروء الخسارة في تجارته من غير تعد ولا تقصير منه فالبيّنة عليه. ويتم تطبيق هذا الحل لمن عليه تهمة التقصير والتعدي فقط. وبالنسبة لنماذج التي
(1) محمد بن فرامرو، درر الحكام شرح غرر الأحكام، 2/ 310.