ويقول الإمام الشاطبي: «وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل» [1] ويقول: «ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية، وذلك على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات» [2]
ولكن! قد يقول قائل: إذا كان مقصد الشريعة هو جلب المصالح ودرء المفاسد، فما بالنا نجد أن أحكامها مشوبة بتكاليف شاقة على النفس، وما بالنا نجد أنها أمرت بقطع يد السارق، وجلد الزاني، والقصاص من المعتدي، أليست هذه مفاسد قد أمرت بها الشريعة.
ونقول له: أما قولك"إن الشريعة أمرت بتكاليف شاقة على النفس"فلأنها جاءت لتؤكد أنه ليس في الدنيا مصالح محضة أو مفاسد محضة « (ف) هذا في مجرد الاعتياد لا يكون» [3] لأن هذه الدار هي دار ابتلاء واختبار، وليست دار قرار، لذا حذر الله عز وجل من الركون إليها والاطمئنان بها، فهي لا تساوي جناح بعوضة، وقد بين الله سبحانه وتعالى قدرها فقال:"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا". [4] ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لامحالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال:"وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" [5] أي هي متاع غارٌّ لمن ركن إليه، فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. [6]
(1) الموافقات: 2/ 4
(2) نفسه: 2/ 30 - 31.
(3) الشاطبي، الموافقات: 2/ 21.
(4) سورة الحديد، الآية: 20.
(5) سورة الحديد، الآية: 20.
(6) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 4/ 1886.