هذه هي حقيقة الحياة الدنيا كما وصفها الله عز وجل، فالسعيد الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واعتبرها معبرا إلى الجنة وليس مقرا يخلد فيه، فصبر على مشاق تكاليفها موقنا أن مآل ذلك هو جنات الخلود"يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا". [1]
وأما قولك:"إن الشريعة أمرت بقطع يد السارق وجلد الزاني، والقصاص من المعتدي، وأن هذه مفسدة في الأبدان والأموال"فكل ذلك خلاف قولك وظنك؛ لأن فيه مصلحة عظيمة تتجلى في حفظ أمن الناس وصون أموالهم وأعراضهم، وإن مثل هذا كمثل قطع العضو المتورم خشية أن ينتشر الورم في الجسد كله فيؤدي إلى هلاك صاحبه، يقول العز بن عبد السلام: «وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكونها المقصودة من شرعتها ( ... ) كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب. [2]
وقد أعجز الله تعالى كل قانون وضعي وأفحم كل بيان بشري بقوله:"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". [3]
يقول سيد قطب - رحمه الله: «إنه ليس الانتقام وليس إرواء الأحقاد، إنما هو أجل من ذلك وأعلى. إنه للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو في ذاته حياة ... ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة، ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله، والحياة في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء. فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل، جدير به أن يرتوي ويفكر ويتردد. كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل؛ شفاؤها من الحقد والرغبة في الثأر ( ... ) وفي القصاص حياة
(1) سورة مريم، الآية: 85 - 86.
(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1/ 14.
(3) سورة البقرة، الآية: 179.