وهذه المصالح كما بينها العلماء هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل. [1] يقول الإمام الغزالي: «ومقصد الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم» [2] .
فحفظ هذه الركائز الخمسة هو «الحد الأدنى الضروري لإقامة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على نحو تستقيم به الحياة الإنسانية، ويحفظ للإنسان بقاءه وكرامته، ولو فقدت بعضها اختل نظام الحياة الإنسانية وفسدت أمورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث تصير فوضى تستحيل معها الحياة الاجتماعية» [3] .
وليس مقصودنا باختلال نظام الأمة وفساد أمرها «هلاكها واضمحلالها، لأن هذا قد سلمت منه أعرق الأمم الوثنية والهمجية، ولكني أعني أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها، وقد يفضي ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض أو بتسلط العدو عليها، إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية أو الطامعة في الاستيلاء عليها" [4] ."
ونظرا لأهمية هذه الضروريات فإنه يستحيل ألا تشتمل عليه شريعة من الشرائع أو ملة من الملل؛ يقول الإمام الشاطبي: «وقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن
(1) أكد الدكتور جمال عطية"أن الضروريات لا تنحصر في هذه الخمسة، لأن ظروف الزمان والمكان تفرض أن نضيف عدة ضروريات أخرى، ونقل في ذلك عدة نوص لمجموعة م العلماء:"
1.... يقول الشيخ محمد الغزالي:"لابد من زيادات على الأصول الخمسة ( ... ) ما المانع أن أستفيد من تجارب أربعة عشر قرنا في الأمة الإسلامية، لقد وجدت أن القرون أدت إلى نتائج مرة لفساد الحكم، إذ يمكنني أن أضيف إلى هذه الأصول الخمسة؛ العدالة والحرية."
2.... ويقول الخمليشي:"إن من المؤكد أن المقاصد أو المصالح العليا الخمسة التي أوردها الغزالي غير كافية الآن للاقتصار عليها واتخاذها مرجعا في تنظيم المجتمع، وعلاقات أفراده، ألا يعتبر من المقاصد العليا مثلا: العدل ( ... ) المساواة، ودرية الفرد، وحقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي منها المساهمة في تسيير الشؤون العامة؟."
3.... وكتب القرضاوي يقول:"إنني أعتقد أن هناك نوعا من المقاصد لم يعط حقه كما ينبغي، وهي المقاصد المتعلقة بالمجتمع ( ... ) (كـ) الحرية والعدالة، وهذا في حاجة إلى إعادة نظر"
ثم علق الدكتور جمال عطية على هذه الأقوال بقوله:"ونحن من جانبنا نأخذ بعدم انحصار الكليات من حيث المبدإ، أو من حيث التطبيق ( ... ) حيث أضفنا للعديد من المقاصد"من كتاب"نحو تفعيل مقاصد الشريعة الإسلامية"للدكتور جمال عطية: ص 98 وما بعدها.
ونشير هنا إلى أن الشيخ الطاهر بن عاشور أشار إلى أن الحرية من مقاصد الشريعة دون أن يذكر علاقتها بالكليات فقال:"وكلا هذين المعنيين للحرية جاء مرادا للشريعة"وقال:"ومن قواعد الفقه قول الفقهاء: الشارع متشوف للحرية"من كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 127. ...
غير أني أقول عقب هذا: إن هؤلاء العلماء على جلالة قدرهم واتساع علمهم؛ فإني أرى غير هذا غير هذا الذي يرون لأني أظن أن هذه الكليات الخمسة لو تأملت حق التأمل لوجدناها مشتملة على هذا الذي قالوه فالعدالة والحرية والمساواة داخلة في كل أصل من الأصول الخمسة، وإن لم تكن بالأصل فبالتبع -والله أعلم-.
(2) المستصفى: ص 174.
(3) دكتور فوزي خليل، المصلحة العامة من منظور إسلامي: ص 89.
(4) الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 76 - 77.