وهذا الذي قاله مردود من جهتين:
الأولى: أنه لم يثبت في كتب مالك ولا في شيء من كتب أصحابه شيء من هذا الذي قال؛ يقول الإمام الشوكاني: «وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الأصل، وهذا لا يوجد في كتب مالك ولا في شيء من كتب أصحابه» [1] .
الثاني: أن المصالح التي أثبتها مالك رحمه الله لا تخرج عن كونها استدلالا بالنص من جهة عمومه، وهو أصل المصالح المرسلة، أما هذا الذي ذكره الجويني، من أنه أثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة، والمعاني المعروفة في الشريعة، فهو المصالح الغريبة، ولم يقل أحد أنه يأخذ بها. قال الدكتور حسين حامد حسان: «إن الاستدلال المرسل في مذهب مالك ليس خارجا عن النصوص، بل هو طريقة معينة للاستدلال بالنصوص الشرعية. فإن الحكم عند مالك، إما أن يؤخذ من معقول من النص نفسه أي من اللفظ ( ... ) وإما أن يؤخذ الحكم من معقول نص واحد ( ... ) وهناك طريق ثالث؛ هو أخذ الحكم من معقول جملة من نصوص» [2] .
فهؤلاء جملة من الفقهاء الذين أكدوا الاختلاف في الأخذ بالمصلحة المرسلة عند الفقهاء.
وفي مقابل هؤلاء نجد أن علماء آخرين يؤكدون على أن المصلحة المرسلة معتبرة بالاتفاق ومن هؤلاء الإمام القرافي الذي يقول: «وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا -المالكية- وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة؛ فهو حينئذ في جميع المذاهب". [3] "
وهو الحق؛ فالمتأمل لفقه هؤلاء الفقهاء وفتاويهم يجدها مبنية في كثير منها على مطلق المناسبة، يقول الدكتور يوسف القرضاوي: «وجمهور فقهاء المسلمين - من الناحية العملية- يعتبرون المصلحة المرسلة دليلا شرعيا يبنى عليها التشريع أو الفتوى
(1) إرشاد الفحول: ص 402.
(2) نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: ص 95.
(3) شرح تنقيح الفصول: ص 394.