فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 87

فتنة أو يصيبها عذاب أليم، فما هلك من كان قبلنا «إلا أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» [1]

ودليل هذا الضابط هو «أن الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة، بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يتحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة، والدليل على ذلك - مع أنه واضح- أمور:

أحدها: النصوص المتظافرة، كقوله تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا" [2]

وقال صلى الله عليه وسلم «بعثت للأحمر والأسود» [3] ، وأشباه هذه النصوص، مما يدل على أن البعثة عامة لا خاصة، ولو كان بعض الناس مختصا بما لم يختص به غيره، لم يكن مرسلا للناس جميعا ( ... ) .

والثاني: الأحكام إذا كانت موضوعة لمصالح العباد، فالعباد بالنسبة إلى ما تقتضيه من المصالح مرآة، فلو وضعت على الخصوص لم تكن موضوعة لمصالح العباد لكنها كذلك حسبما تقدم في موضعه [4] ( ... ) فثبت أن أحكامها على العموم لا على الخصوص ( ... ) .

الرابع: أنه لو جاز خطاب البعض ببعض الأحكام حتى يختص بالخروج عنه بعض الناس، لجاز مثل ذلك في قواعد الإسلام ألا يخاطب بها من كملت فيه شروط التكليف بها. وكذلك الإيمان الذي هو رأس الأمر، وهذا باطل بإجماع ( ... ) . [5]

يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: «ذلك أن المسلمين مستوون في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية، بحكم قوله عز وجل:"إنما المؤمنون إخوة"فمعنى الأخوة يشمل التساوي على الإجمال يجعل المسلمين سواء في الحقوق المخولة في الشريعة بدون

(1) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 54 حديث: 3475. ج 2/ 172. وصحيح مسلم (بشرح النووي) كتاب الحدود، باب قطع يد السارق وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود حديث 1688، ج 11/ 188 - 189.

(2) سورة سبأ، الآية:28.

(3) رواه مسلم بلفظ قريب"بعثت لكل أحمر واسود"كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث 521، ج 5/ 5.

ورواه البخاري بلفظ"وبعثت للناس عامة"كتاب التيمم، باب، حديث 334. ج 185

(4) راجع المطلب الثاني في المبحث الأول في الفصل الأول (من هذا البحث) .

(5) الشاطبي، الموافقات: 2/ 208 - 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت