تفاوت فيما لا أثر للتفاوت فيه بين المسلمين من حيث إنهم مسلمون. فإذا علمنا أن المسلمين سواء بأصل الخلقة واتحاد الدين من حيث إنهم مسلمون، تحققنا أنهم أحقاء بالتساوي في تعلق الخطاب الشرعي بهم، لا يؤثر على ذلك التساوي مؤثر من قوة أو ضعف. فلا تكون عزة العزيز زائدة له من آثار التشريع» [1] .
ويقول: «فالمساواة في التشريع للأمة ناظرة إلى تساويهم في الخلقة وفروعها، مما لا يؤثر التمايز فيه أثرا في صلاح العالم. فالناس سواء في البشرية"كلكم لآدم"وفي حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة، ولا أثر لما بينهم من الاختلافات بالألوان والصور والسلائل والمواطن. فلا جرم نشأ عن هذا الاستواء فيما ذكر تساويهم في أصول التشريع» . [2]
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمليا هذا عندما رفض أن يشفع حبه زيد بن حارثة في حد من حدود الله، لأن التي كان سيقام عليها الحد امرأة مخزومية شريفة، فقد روى البخاري ومسلم، من حديث عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة بن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله» ، ثم قام فاختطب [3] ، ثم قال: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» [4] .
وعلمناه الصحابة الكرام الذين ما كانوا يعتبرون مصالح أحد على حساب أحد ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو أزواجهم، أو عشيرتهم. بل كان ضعيف الناس قوي عندهم حتى يأخذوا الحق له، وقوي الناس ضعيف عندهم حتى يأخذوا الحق منه.
(1) مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 93.
(2) نفسه: ص 93 - 94.
(3) أي طلب الناس للخطبة.
(4) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 54 حديث: 3475. ج 2/ 172. وصحيح مسلم (بشرح النووي) كتاب الحدود، باب قطع يد السارق وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود حديث 1688، ج 11/ 188 - 189.