هذه بعض الأدلة والأمثلة على إلغاء الشريعة لكل مصلحة تراعي فيها منافع فئة على حساب أخرى. إلا أنه يجب التنبيه على أن ذلك لا يعني إلغاء اختلافات أحوال الناس في عوائدهم وأنفسهم وطبائعهم؛ فهذا كله معتبر، ولكنه يقدر بقدره، وقد فصل الإمام الطاهر بن عاشور في هذا تفصيلا حسنا في كتابه"مقاصد الشريعة الإسلامية"، وهذا بعض ما قال:
«فمراعاة عوائد الأمم المختلفة هو خلاف الأصل في التشريع الإلزامي، وإنما يسعه تشريع الإباحة حتى يتمتع كل فريق من الناس ببقاء عوائدهم، لكن الإباحة لما كان أصلها الدلالة على أن المباح ليس فيه مصلحة لازمة ولامفسدة معتبر لزم أن يراعى ذلك في العوائد. فمتى اشتملت على مصلحة ضرورية أو حاجية للأمة كلها أو ظهرت فيها مفسدة معتبرة لأهلها، لزم أن يصار بتلك العوائد إلى الانزواء تحت القواعد التشريعة العامة من وجوب أو تحريم» . [1]
وقال: «فالمساواة في التشريع أصل لا يتخلف إلا عند وجود مانع، فلا يحتاج إلى إثبات التساوي في التشريع بين الأفراد أو الأوصاف إلى البحث عن موجب المساواة بل يكتفي بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي» [2]
وبيَّن هذه الموانع بقوله: «وموانع المساواة هي: العوارض التي إذا تحققت تقتضي إلغاء حكم المساواة لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء، أو لظهور مفسدة عند إجراء المساواة ( ... ) وليست تسميتها بالعوارض مرادا منه أمور عارضة مؤقتة، لأن العوارض قد تكون دائمة أو غالبة الحصول، إنما تسميتها بالعوارض من حيث إنها تبطل أصلا منظورا إليه في الشريعة نظرا أول، فجعلت لأجل ذلك أمور عارضة، إذا كانت مبطلة أصلا أصيلا، لأننا بينا أن المساواة هي الأصل في التشريع ( ... ) ثم إن العوارض المانعة من المساواة في بعض الأحكام أقسام أربعة: جبلية، وشرعية، واجتماعية، وسياسية. وكلها قد تكون دائمة أو مؤقتة، طويلة أو قصيرة ( ... ) .
فالموانع الجبلية الدائمة: كمنع مساواة المرأة للرجل فيما تقصر فيه بموجب أصل الخلقة مثل: إمارة الجيش والخلافة ...
(1) مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 89.
(2) نفسه: ص 94.