جزئيات الأحكام الشرعية؛ يقول الدكتور رمضان البوطي: «فإذا ثبت أن المصالح المطلوبة متفاوتة في الجملة، وأنها متدرجة في مراتب مختلفة، فاعلم أن الدليل على ميزان هذا التفاوت والتدرج مأخوذ من دليل الاستقراء لعامة جزئيات الأحكام الشرعية» [1] .
فمن آي القرآن الكريم قوله عز وجل:"إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" [2]
ومعنى الآية؛ أن صدقة الجهر على عظم فضلها وجزيل أجرها، فإن صدقة السر تفضلها، لأنها أبعد عن الرياء، وأسلم من المن، وهذا تفضيل لمصلحة على مصلحة.
وقال عز وجل:"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [3] .
وفي هذه الآية تفضيل لطاعة الجهاد على طاعة سقاية الحجاج وعمارة المسجد الحرام، على الرغم من عظم الأجر في الثانية أيضا، ولكن المصلحة في الأولى أعظم، وكذلك الأجر. [4]
ومن السنة: ما رواه الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: «لقد سألتني عن
(1) ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: ص 223.
(2) سورة البقرة، الآية: 271.
(3) سورة التوبة، الآية:19.
(4) ومما يروى في ذلك: ما كتبه عبد الله بن المبارك وكان في الجهاد، إلى الفضيل بن عياض، وكان يسمى بعابد الحرمين؛ قصيدته الشهيرة:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا***لعلمت أنك في العبادة تلعب.
(ذكرها ابن كثير في آخر تفسير سورة آل عمران: 1/ 405.)