فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 114

الحالة الثالثة: أن لا يدل دليل على التعميم ولا على التخصيص، فالراجح أن العبرة العمل بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، سواء كان السبب سؤالًا أو واقعة، فيجب العمل بعمومه، ومثاله: ما ورد أن قومًا من الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ولو توضأنا بما معنا من الماء عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) « (1) » .

فصيغة العموم وهي قوله: (هو الطهور ماؤه) تدل بعمومها على أن ماء البحر مطهرٌ كلَّ أنواع التطهير، في حال الضرورة والاختيار، ولا عبرة بورود السؤال عن شيء خاص، وهو الوضوء، ولا بكون السؤال ورد في حال الضرورة، وهو خشية العطش.

ومثل ذلك - أيضًا: آيات الظهار التي في أول سورة المجادلة، فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت - رضي الله عنه -، والحكم عام فيه وفي غيره، لأن الله تعالى قال: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} [المجادلة/2] والاسم الموصول من صيغ العموم، ولم يرد دليل مخصص، وعدول الشارع عن اللفظ الخاص إلى اللفظ العام لا بد له من فائدة، وفائدته هي تعميم الحكم، فإن الكتاب والسنة إنما جاءا لبيان أحكام الشريعة العامة.

ويرى آخرون أن العبرة بخصوص السبب، وأن لفظ الآية مقصور على الحادثة التي نزل هو لأجلها، أما أشباهه فلا يُعلم حكمها من نص الآية، وإنما بالقياس أو بنص آخر، وعلى هذا فهم لم يقولوا إن حكم الآية مختص بمن نزلت بسببه دون غيره، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق.

وإنما المراد أن الجمهور يقولون يتعدى الحكم إلى أفراد غير السبب بالنص نفسه، عملًا بالعموم، وغيرهم يقول: يتعدى الحكم إما بالقياس أو بنص آخر لا بالنص نفسه « (2) » .

(1) تقدم تخريجه.

(2) انظر: مقدمة في أصول التفسير لأبن تيمية ص (37) مناهل العرفان (1/ 118) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت