ومثال ذلك: أنه يجوز اختلاف نية الإمام والمأموم، وتصوير المسألة: في مثل ما لو دخل إنسان المسجد والإمام يصلي التراويح فله أن يصلي العشاء خلفه، فإذا سلم الإمام قام وأتم صلاته، ودليل ذلك ما ورد عن جابر - رضي الله عنه - أن معاذًا - رضي الله عنه - كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة « (1) » .
كما يدل على ذلك - أيضًا - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بالطائفة الثانية صلاة الخوف وهي له نافلة، فإنه صلّى بالطائفة الأولى ثم سلم، ثم صلّى بطائفة أخرى ثم سلم « (2) » ، واستدل المخالف بحديث (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه) « (3) » .
والقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما دليل المنازع فعنه جوابان:
الأول: أنه محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسره بذلك، كما في تمام الحديث.
الثاني: سلمنا أنه عام في اختلاف النيات و الأفعال الظاهرة، لكنه مخصوص بمثل حديث جابر المذكور، والله أعلم.
قوله: (هذا في حق المجتهد والمستدل) أي: أن هذا المسلك في بيان الحكم الشرعي هو وظيفة المجتهد وهو: الفقيه الذي له القدرة على استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
وكذا المستدل: وهو من يطلب الدليل على حكم شرعي.
قوله: (وأما المقلد فوظيفته السؤال لأهل العلم) وهم: أهل الذكر، كما في الآية الكريمة، والطرق الدالة على معرفة من يصلح للفتوى ثلاث:
الاشتهار: فمن اشتهر بالعلم والدين، فإنه يُستفتى.
إخبار العدل أن فلانًا يُستفتى.
الانتصاب للفتوى.
(1) أخرجه البخاري (668) ومسلم (465) .
(2) أخرجه أبو داود (4/ 126 عون) والنسائي (3/ 178) ، وهو حديث صحيح.
(3) أخرجه البخاري (734) ومسلم (414) .