وأما التقرير: فهو ترك الإنكار على ما عَلِمَ به من قول أو فعل، والتقرير حجة، لأنه قسم من أقسام السنة النبوية، وقد نقل الحافظ ابن حجر الاتفاق على الاحتجاج به « (1) » ، ودليل حجيته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم عن أن يقر أحدًا على خطأ أو معصية فيما يتعلق بالشرع، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وشرط حجيته: أن يعلم بوقوع الفعل أو القول، وذلك بأن يقع بحضرته، أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلم به.
وحكمه الإباحة، وقد يفيد الوجوب أو الاستحباب من دليل آخر، ومن أمثلة ذلك: أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - سئل وهو غادٍ إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: (كان يُهل منا المهل فلا يُنكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه) « (2) » .
فهذا يدل على أن الحاج مخير في هذا اليوم بين التكبير والتلبية، لتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم على ذلك « (3) » .
ومن ذلك قول ابن عباس - رضي الله عنهما: (أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد) « (4) » .
فهذا يدل على أن المرور بين يدي المأموم لا يضر، لأن ابن عباس - رضي الله عنهما - بترك الإنكار على جواز ذلك « (5) » .
(1) فتح الباري (3/ 323) .
(2) أخرجه البخاري (1659) .
(3) فتح الباري (3/ 510) .
(4) أخرجه البخاري (493) .
(5) انظر: فتح الباري (1/ 572) .