وقال - صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي) « (1) » ، فالأمر بالصلاة للوجوب؛ لأن الصلاة قبل امتناعها بالحيض واجبة.
المسألة الخامسة: أن النهي يقتضي الفور، وهو المبادرة بالكف عن المنهي عنه بمجرد سماع النهي؛ لأن الامتثال في هذا الباب لا يتحقق إلا بالمبادرة إلى الامتناع عن الفعل حالًا، والاستمرار على هذا الامتناع في جميع الأوقات، ولأن الفعل إنما نهى الشارع عنه لمفسدته، ولا يمكن درء هذه المفسدة إلا بالامتناع حالًا ودائمًا « (2) » ، ويدل لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم …) « (3) » ، قال العلماء: تقييد الأوامر بالاستطاعة دون المناهي؛ لأن اجتناب المناهي استصحاب للعدم واستمرار عليه، وليس فيه ما لا يستطاع حتى يسقط التكليف به، وفعل الأوامر إحداث عبادة من العدم إلى الوجود، ويحتاج إلى أركان وشروط، وبعضها قد لا يستطاع، فسقط التكليف به.
ولعل هذا باعتبار الغالب بالنسبة للمناهي، وبه تسقط دعوى كثير ممن يُنْهون عن بعض المعاصي، فيتعللون بعدم القدرة على الترك، وما هذا بصحيح، وإنما هو ضعف الإيمان وحب المعصية، وعدم الخوف من الله.
وقد يكون الداعي إلى فعل المعصية قويًا لا صبر للعبد معه على الامتناع منها، فيحتاج للكف عنها إلى مجاهدة شديدة، قد تكون أشق على النفوس من المجاهدة على فعل الطاعة، فعلى العبد أن يتأمل في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت/69] « (4) » .
(1) أخرجه البخاري (328) ومسلم (333) .
(2) انظر: الوجيز ص (302) .
(3) تقدم تخريجه.
(4) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، حديث (9) مع التصرف بحذف وزيادة.