ويستثنى من اقتضاء النهي الدوام والفورية ما إذا وجد قرينة، صارفة عن ذلك، وذلك بأن يدل دليل على أن المراد بالنهي وقت معين لكونه مقيدًا بوصف أو شرط أو نحوهما، فهو على حسب ما قيد به، وذلك كالنهي عن صوم يوم النحر، ونهي الحائض عن الصلاة لأجل الحيض، ونحو ذلك « (1) » .
المسألة السادسة: أن الأمر يقتضي الفور، وهو الشروع في الامتثال عقب الأمر من غير فصل، ودليل ذلك ما يلي:
أن ظواهر النصوص تدل عليه، كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران/133] ، وقوله: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد/21] وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة/148] والمأمورات الشرعية خير، والأمر بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة.
ما جاء في قصة الحديبية، وفيها: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال: فو الله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس … الحديث) « (2) » .
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن الأمر للفور ما دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة - رضي الله عنها - مغضبًا، ولا قال لها: (ألا ترين إلى الناس إني آمرهم بالأمر فلا يفعلونه) كما في رواية ابن إسحاق « (3) » .
أن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ للذمة وأدل على الطاعة، والتأخير له آفات، ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز الإنسان عنها.
من جهة اللغة: أن السيد لو أمر عبده بأمر فلم يمتثل معتذرًا بأن الأمر على التراخي، لم يكن عذره مقبولًا.
(1) انظر: الدلالات وطرق الاستنباط ص (68) .
(2) أخرجه البخاري (5/ 329 فتح) في حديث طويل.
(3) انظر: زاد المعاد (3/ 307) فتح الباري (5/ 347) .