يتأتى إلا إذا أعدنا تكييف طبيعة هذه الأموال. ولا أبالغ إذ قلت: إن التكييف الإسلامي في هذا الصدد هو التكييف المعياري، فهو التكييف الذي يجعل الإيرادات (في مجملها) عند تحصيلها، ولذلك لا تستطيع السلطة التنفيذية أن تنفق في غير الغرض الذي جمع من أجله الإيراد.
وزيادة في إبراز هذا المعنى، وتأكيده، أشير إلى أنه في المالية العامة قرر فصل الإيرادات عن النفقات، وإخضاع الإيرادات لقاعدة عدم التخصيص وذلك لإعطاء الحرية للسلطات المالية أيًّا كان مستواها، ولعدم إخضاعها عند البت في قرارات الإنفاق لأي التزامات تقررت عند تحصيل الإيرادات. وما أراه إسلاميًّا، أن هذا التسبيب مرفوض، إذ كيف تعطى الحرية المطلقة للسلطات المالية للتصرف كما تشاء، وكما ترى، في الإيرادات التي هي في الواقع استقطاع من دخول الأفراد. ولهذا فإذا كان النظام المالي الإسلامي يخضع لقاعدة تخصيص الإيرادات فإن هذا مما يعمل على ترشيد القرار المالي الذي تتخذه السلطات المالية.
إننا نستطيع أن نتبين أهمية ما يقرره الإسلام، وذلك إذ نظرنا إلى بعض الانتقادات التي توجه للمسؤولين الماليين، هذا الإرهاق والعنت في فرض ضرائب متعددة، وهذا الإسراف والتبديد في النفقات، إن هذا كله يمكن ربطه بالقاعدة التي توجد في المالية العامة من حيث عدم تخصيص الإيرادات، فالمسؤول المالي يجد نفسه غير ملتزم إلا بما يراه.
قد يرد في هذا الصدد القول: بأن السلطات المالية في الدول الحديثة تتصرف على أساس الميزانية العامة للدولة، وهي معتمدة من النواب المنتخبين في المجالس النيابية. ولكن ما أراه أنه حتى مع وجود ذلك، فإنه لم يغير من الانتقادات التي وجهت، وهي الإسراف في فرض الضرائب والإسراف في الإنفاق.
يبقى في هذه المناقشة أن نشير إلى معنى برز مما سبق وهو أن النظام المالي الإسلامي من حيث تكييفه وطبيعته وهو الذي ظهر واضحًا من مناقشة ما سبق، أن لجماعة المسلمين إشرافًا مباشرًا على السلوك المالي للدولة، إيرادًا ونفقة.