أولًا: نعرف التطور وطبيعته في الفكر الاقتصادي الوضعي، وهو تطور تضمن ارتقاءً تدريجيًا في الأفكار وفي المنهج، بل تضمن أيضا ارتقاء من نوع إلغاء أفكار لم تعد ملائمة، أو لم تعد صحيحة، وإحلال أفكار أخرى اعتقد في صحتها، أو ملاءمتها للواقع، وهذا الإلغاء والإحلال هو السمة المميزة للتطور، وطبيعته في الفكر الاقتصادي الوضعي.
وظهور مدارس متعددة في الاقتصاد الوضعي يعتبر الترجمة العملية لهذا الإلغاء والإحلال. ونستطيع أن نستنتج الآتي: إن التطور وطبيعته في الاقتصاد الوضعي هو تطور إلغائي إحلالي ارتقائي، ونقول أيضا: إنه ليس هناك ما هو ثابت في الاقتصاد الوضعي.
ثانيًا: بناء على ما قدمته في الفرع السابق أستطيع أن أقول: إن التطور وطبيعته في الاقتصاد الإسلامي يختلف جذريًّا عن نظيره في الاقتصاد الوضعي. ذلك أنه وكما رأينا، فإن في الاقتصاد الإسلامي ما هو ثابت، ثم فيه ما هو متطور. والاقتصاد الإسلامي يتميز عن الاقتصاد الوضعي بهذا العنصر الثابت. بل إن العنصر المتطور في الاقتصاد الإسلامي له طبيعة تطورية تجعله مختلفًا عن الطبية التطورية في الاقتصاد الوضعي. إن العنصر المتطور في الاقتصاد الإسلامي محكوم ومربوط بالثوابت في هذا الاقتصاد، بينما الاقتصاد الوضعي ليس فيه ثوابت تحكم التطور.
ثالثًا: في حقيقة الأمر، إن البحث في قضية التطور والثبات في الاقتصاد ليست منفصلة عن البحث في مصدر المعرفة في الاقتصاد.
فالفكر الاقتصادي عندما انفصل عن عنصر الوحى في التعرف على المعلومة الاقتصادية، وجعل الإنسان هو مصدر المعرفة كلها فإن ذلك قاده إلى أنه لم يصبح هناك ما هو ثابت في هذا الاقتصاد بسبب أن الإنسان أصبح مصدر المعرفة. والإنسان متطور في معرفته ليس بسبب المكتسبات المعرفية الجديدة التي يحصل عليها، لكن أيضًا بسبب قصوره ومحدوديته في الإدراك.
أمَّا في الاقتصاد الإسلامي، فإن مصدر المعرفة في الجزء الثابت هو التشريع، لذلك فإن البحث في