والمعنى الذي أريد أن أقوله من هذا المثال: هو أن الأوروبيين لم يروا من الحضارات القديمة إلا الحضارة اليونانية، فجعلوا تاريخ الفكر الاقتصادي يبدأ بها، والأوروبيون
ـ من خلال ذلك ـ قد أذاعوا على العالم كله رسالة مضمونها أن الفكر الاقتصادي بدأته حضارة أوروبية.
المثال الثاني: جميع كتاب تاريخ الفكر الاقتصادي يتفقون على أن هناك فترات في هذا التاريخ، ولهذا العلم مدارسه ومفكروه، تكشف مراجعه كل ما قيل عن ذلك بأن تقسيم الفترات حدد على أساس أحداث ومتغيرات أوروبية، كما تكشف المراجعة عن أن تحديد المدارس الاقتصادية وطبيعتها أسس كله على أساس ما قاله المفكرون الأوروبيون، أو الاقتصاديون الأوروبيون. والرسالة الواضحة التي بثتها أوروبا بواسطة ذلك هي أنهم قالوا للعالم: إن الفكر الاقتصادي كله، بكل مقولاته، وبكل أحداثه، وبكل مفكريه هو صناعة أوروبية.
المثال الثالث: ما قال الأوروبيون عن تاريخ الفكر الاقتصادي في الفترة من سنة 500 إلى 1500 م يعطي دليل إصرارهم على أن غيرهم ليست له مساهمة في الفكر الاقتصادي. إنهم يسمون هذه الفترة باسم (( العصور الوسطى ) )وهي في نظرهم فترة ظلام وبربرية وهمجية، ويعممون ذلك على الفكر الإنساني، وكذا السلوك الإنساني، أوروبي أو غير أوروبي.
والأوروبيون في هذا التعميم يغالطون، فالأوصاف التي وصفت بها الفترة المذكورة صادقة على أوروبا ولكنها ليست كذلك بالنسبة للمسلمين، إذ أن هذه الفترة هي التي شهدت الحضارة الإسلامية، وكان لها معطياتها في الاقتصاد، وفي غيره. الأوروبيون أنفسهم يعرفون بعض الريادات الإسلامية لهذه الفترة، مثل ابن خلدون، ولكن وإن اعترف بعضهم بمساهمته في الاقتصاد إلا أنهم لا يجعلون ذلك على نحو يؤثر في تقسيمهم لفترات تاريخ الفكر الاقتصادي، أي أن مثل هذه المساهمة شيء هامشي لا يؤثر في التيار الفكري العام.