فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 139

وتحريم الإسلام للرشوة، وبخاصة الذين يتولون المسؤولية، هو بعد آخر من الأبعاد المتعلقة أو المنظمة لحق الجماعة، وبالتالي لعلاج الصراع الاجتماعي والرشوة هي واحدة من أخطر الأسباب، إن لم تكن أخطرها، التي أصيبت بها المجتمعات النامية، ومنها مجتمعاتنا الإسلامية. إن الآية التي حرم الله فيها الرشوة تشير بصفة قطعية إلى أن سبب التحريم إنما يعود لمراعاة مصلحة الجماعة. ومراعاة هذه المصلحة هو تعبير عن علاج الصراع الاجتماعي: (ولا تاكُلُوا أمْوَالَكُم بَيْنكُم بالبْاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأكُلُوا فرِيقًا مّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (( البقرة: 188 ) ).

إن الآية تتجه صراحة إلى سبب الرشوة، وأنه يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وليس المراد هنا أن المرتشي يأكل أموال الناس بالباطل، وإنما المراد أن الراشي هو الذي يستهدف من وراء الرشوة أكل أموال الناس بالباطل، أي الحصول على حقوق ليست له. وهكذا، إذا كانت الرشوة يمكن أن تحقق للراشي أو المرتشي مصلحة شخصية، إلا أنها تحرم إسلاميًا لما لها من آثار سيئة من وجهة نظر الصراع الاجتماعي.

النتيجة العامة التي نسجلها في نهاية بحث هذا الموضوع، هي: أن المنهج الإسلامي لتحليل الصراع الاجتماعي، هو منهج متميز، من حيث فهمه لطبيعة هذا الصراع، ثم من حيث علاجه وضبطه. ويبنى هذا المنهج باختصار على أساس أن الصراع الاجتماعي لا يرتبط بظاهرة وجود من يملك في مقابل من لا يملك، ولذلك لا يكون علاجه هو إلغاء الملكية الخاصة، وإنما يرتبط هذا الصراع بظاهرة سوء الاستخدام والتصرف، في استثمار رأس المال ولذلك يكون العلاج بترشيد هذا الاستخدام، أي بترشيد الاستثمار. أما المنهج الإسلامي لهذا الترشيد فإنه يقوم علي دعامتين، الدعامة الأولى: يعمل الإسلام من خلالها على ترشيد استثمار رأس المال، بواسطة تأثيمه لبعض صور استخدام رأس المال مثل تحريم الاحتكار إلى آخر ما ذكرناه، هذا ما أعبر عنه بجانب المنع في هذا المنهج. أما الجانب الإيجابي في هذا المنهج فهو ما يتعلق بالجوانب التي يباح فيها استخدام رأس المال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت