نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبُهُم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (( التوبة: 34، 35 ) ).
والسياق الذي وضع فيه تأثيم الاكتناز من حيث إنه قُرن بالصد عن سبيل الله، وأكل أموال الناس بالباطل،، وقُرن تأثيم الاكتناز بأكل أموال الناس بالباطل، وما يتضمنه من حقوق للجماعة على المال الخاص، بحيث إن كنزه يقرن بأكل أموال الناس بالباطل؛ هذا السياق يضع أساسًا عقيديًا للتشغيل الكامل للمال، لكن الذي أريد أن أقف عنده، هو المعنى الذي يستنتج من تأثيم الإسلام للاكتناز في علاقته بالتشغيل الكامل لرأس المال. إن الاكتناز هو جزء الادخار الذي لم يوجه إلى الاستثمار. وإذا التزم المسلم التزاما إسلاميًّا صحيحًا بالمنهج الإسلامي، ومن هذا المنهج تأثيم الاكتناز فسوف يوجه كل ادخاراته التي هي جزء الدخل الذي يفيض عن الاستهلاك، سوف يوجهه إلى الاستثمار، ومعنى ذلك أنه وفق المنهج الإسلامي لا توجد رؤوس أموال مكتنزة أي عاطلة.
هناك دليل آخر يستدل به على التشغيل الكامل لرأس المال، وهذا الدليل يتعلق بالزكاة، التي يمكن أن ينظر إليها من إحدى زواياها على أنها تستهدف أن توجه رؤوس الأموال إلى التشغيل، وألا تبقى عاطلة، وتستند وجهة النظر هذه إلى تحليل طبيعة الزكاة، والتي يشير إليها القول المأثور (( اتجروا بمال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة ) ). يعني هذا أن بقاء رأس المال عاطلًا وعدم تشغيله في النشاط الإنتاجي مع استمرار فرض الزكاة عليه يجعل رأس المال ينفد. وأريد أن أوضح رأيي في علاقة الزكاة بالإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال. ذلك أنه وإن كنت أرى أنه يمكن استنتاج علاقة بين فرض الزكاة والإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال، إلا أنه تكملة لرأيي، لا أعتقد أن هذه العلاقة تمثل الهدف الرئيسي للزكاة، إذ أن للزكاة أهدافا (اقتصادية) أخرى أقوى وأوضح من هذه الأهداف منها استخدام حصيلة الزكاة في تنمية العنصر البشري في المجتمع، وذلك بتوفيها حدًا أدنى من الدخل لصاحب الحاجة، ومن هذه الأهداف أيضًا تقليل حدة التفاوت الدخلي بين أفراد المجتمع الإسلامي. وبمعنى آخر: إن الزكاة تمثل إحدى الأدوات المستخدمة في إعادة التوزيع في النظرية الاقتصادية الإسلامية. وهناك أهداف أخرى كثيرة للزكاة يمكن البحث عنها والرجوع إليها في الكتب المخصصة لدراسة الزكاة، كما أن الزكاة تستهدف أيضًا هدفًا معنويًّا له أهميته في المجتمع، هذا الهدف هو خلق