فجاءتهم دولة أخرى أقامت فيها البدع مقام السنن والهوى مقام الرشد والضلال مقام الهداية والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم والرياء مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم.
فإذا رأيت هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الأرض والله خير من ظهرها وقنان الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس.
اقشعرت الأرض واظلت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجوة وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الجيشة والأفعال الفظيعة وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح.
وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل قد أدلهم ظلامه فاعزلوا عن طريق هذه السيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوحًا وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وقال:
ما خوفي الذنوب فإنها ... لعلي سبيل العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من ... تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا باراء الرجال وخرصها ... لا كان ذاك بمنة المنان
فبأي وجه أتلقي ربي إذا ... أعرضت عن ذا الوحي طول زمان
وعزلته عما أريد لأجله ... عزلًا حقيقيًا بلا كتمان
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في رده على محكمي القوانين: إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ