فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 580

الصَّالِحُونَ (الانبياء:105) ، {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (الحج:4) والكتابة في قوله {كَتَبَ رَبُّكُمْ} (الأنعام: من الآية 54) كونية قدرية فقد كتب على نفسه الرحمة تفضلًا منه وإحسانًا من غ ير أن يوجبها عليه أحد كما قيل:

ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع

إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع

وإذا كان معقولًا من الإنسان أن يوجب على نفسه ويحرم، ويأمرها وينهاها، مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه، وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له إرادة أن لا يفعله فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه فإن محبته ذلك منهم لا تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا تمنع وقوعه، فرق بين فعله هو سبحانه وبين فعل عباده الذي يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به بخلاف فعله هو سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع، فتدبر هذا الموضع.

وقال: واعلم أن الناس في هذا المقام ثلاث طوائف:

فطائفة منعت أن يجب عليه شيء أو يحرم عليه شيء بإيجابه وتحريمه، وهم كثير من مثبتي القدر الذين ردوا أقوال القدرية النفاة وقابلوهم أعظم مقابلة نفوا لأجلها الحكم والأسباب والتعليل. وأن يكون العبد فاعلًا أو مختارًا.

الطائفة الثانية: بازاء هؤلاء أوجبوا على الرب وحرموا أشياء بعقولهم جعلوها شريعة له يجب عليه مراعاتها من غير أن يوجبها هو على نفسه ولا حرمها، وأوجبوا عليه من جنس ما يجب على العباد وحرموا عليه من جنس ما يحرم عليهم، ولذلك كانوا مشبهة في الأفعال، والمعتزلة منهم جمعوا بين الباطلين: تعطيل صفاته، وجحد نعوت كماله، والتشبيه له بخلقه فيما أوجبوه عليه وحرموه، فشبهوا في أفعاله وعطلوا في صفات كماله، فجحدوا بعض ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت