فهرس الكتاب
الآية الأولى: يخبر تعالى أن كل من في الأرض يعدم ويبقى وجهه سبحانه والضمير في عليها يعود على الأرض وإن لم يتقدم لها ذكر لكن يدل على ذلك السياق مثل قوله تعالى {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} (فاطر: من الآية 45) المراد على ظهر الأرض، وقال {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} (الواقعة:83) أي بلغت النفس الحلقوم وقال {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} (المرسلات:32) ولم يتقدم للنار ذكر وكقوله {حَتَّى تَوَارَتْ} (صّ: من الآية 32) من بني آدم وغيرهم من الحيوان ولكنه غلب للعقلاء وقوله {ذُو الْجَلالِ} (الرحمن:27) أي ذو العظمة والكبرياء وقوله {وَالْأِكْرَامِ} (الرحمن: من الآية 27) يحتمل أن يكون بمعنى أنه يكرم أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين كما قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الاسراء: من الآية 70) وقيل المستحق لأن يجل ويكرم بتوحيده وتسبيحه وعبادته، والإجلال والإكرام الأول يتضمن التعظيم والثاني يتضمن الحمد والمحبة وقد دل الكتاب والسنة على إثبات هذه الصفة، أما الكتاب فهذه الآية والتي بعدها فيها إثبات الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وأما السنة فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بوجه الله وكان يقول في دعائه"أسألك لذة النظر إلى وجهك"وقد أنكرت الجهمية ونحوهم أن يوصف الله بأن له وجهًا وتأولوا ما ورد في ذلك تأويلات فاسدة فمنهم من قال: الوجه صلة والتقدير ويبقى ربك، ودعوى المجاز في ذلك باطلة، فإن المجاز لا يمتنع نفيه فعلى هذا لا يمتنع أن يقال ليس لله وجه ولا حقيقة لوجهه وهذا تكذيب لما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ولو ساغ دعوى الزيادة في ذلك لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في صفات أخرى.
وأيضًا فقد ذكر الخطابي والبيهقي وغيرهما أنه تعالى لما أضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} (الرحمن:26،27) دل على أن ذكر ا لوجه ليس بصلة وأن قوله ذو الجلال والإكرام صفة للوجه وأن الوجه صفة لذات فتأمل قوله {ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} وأيضًا فإنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه والوجه في اللغة مستقبل كل شيء لأنه