فثبوت الرسالة في نفسها، وثبوت صدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ليس موقوفًا على عقولنا أو على الأدلة التي نعلمها بعقولنا، وهذا ك ما أن وجود الرب وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس الأمر، سواء علمناه أو لم نعلمه.
فتبين بذلك أن العقل ليس أصلًا لثبوت الشرع، ولا معطيًا له صفة لم تكن له ولا مفيدًا له صفة كمال، إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم فالعلم تابع ليس مؤثرًا فيه، فإن العلم نوعان: أحدهما العلمي وهو ما كان شرطًا في حصول المعلوم، كتصور أحدنا ما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه. والثاني الخبر النظري، وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده على العلم، كعلمنا بوحدانية الله وأسمائه وصفاته، وصدق رسله وملائكته وكتبه ورسله وغير ذلك.
فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها فهي مستغنية عن علمنا بها، والشرع مع العقل هو من هذا الباب، فإن الشرع المنزل من عند الله ثابت بنفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه.
وهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالمًا به، وأعطاه ذلك صفة لم تكن له قبل ذلك، ولو لم يعلمه لكان جاهلًا ناقصًا. اهـ.
وقال: ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة بل المنقول الصحيح، لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهًا فاسدة، يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع.
وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد، وغير ذلك، وجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالف سمع قط، بل السمع