فهرس الكتاب
وأما توسطهم بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة فوجه ذلك أن المعطل من ينفي صفات الله أو بعضها وينكر قيامها بذات الله المقدسة، فهو بالحقيقة مقصر عن أهل السنة، ويقال له جافي وهذا هو أصل الجهمية هو نفي الصفات بما يزعمونه من دعوى العقلية التي عارضوا بها النصوص إذ كان العقل الصريح الذي يستحق أن تسمى قضايا عقليات موافقًا للنصوص لا مخالفًا ولما كان قد شاع في عرف الناس أن قول الجهمية مبناه على النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى كقول أبي تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء
فهؤلاء ارتكبوا أربع عظائم أحدها ردهم نصوص الأنبياء والثاني ردهم ما يوافق ذلك من المعقولات، الثالث جعل ما خالف ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين الرابع تكفيرهم أو تفسيقهم أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة لصحيح المنقول وصريح المعقول والمشبه هو من يشببها بصفات المخلوقين، أو يشبه بعض الصفات بصفات المخلوق فهو غال متجاوز للحد حيث شبه صفات الله بصفات خلقه.
وأما أهل السنة فهم فيما بين ذلك على صراط مستقيم يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أ ثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتًا بلا تمثيل، وينزهونه عن مشابهة المخلوقين تنزيهًا بلا تعطيل، فهم جمعوا بين التنزيه والإثبات على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: من الآية 11) وقوله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الاخلاص:1 - 4) .
وأما توسطهم في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية فوجه ذلك أن الجبرية هم أتباع الجهم بن صفوان الترمذي زعيم المعطلة مذهبهم أن العبد مجبور على فعله وحركاته وأفعاله اضطرارية كحركة المرتعش والعروق النابضة وكحركات الأشجار في مهب الريح، وإضافتها إلا الخلق مجاز، وإنما الله هو فاعل تلك الأفعال فهي فعله حقيقة لا أفعالهم، والعبد ليس له قدرة ولا إرادة ولا فعل له البتة ويقول قائلهم: