فهرس الكتاب
ومقالة فطر الإله عباده ... حقًا عليها ما هما عدلان
وقد تقدم الكلام على قوله {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} في ما سبق.
قال ابن القيم رحمه الله: ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه مختلط ممتزج بها ولا تدل لفظة"مع"على هذا بوجه من الوجوه فضلًا عن أن يكون حقيقة اللفظ وموضعه، فإن"مع"في كلامهم للصحبة اللائقة، وهي تختلف باختلاف متعلقاتها، ومصحوبها، فكون نفس الإنسان معه لون، وكون علمه وقدرته وقوته مع لون، وكون زوجته مع لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها فيصح أن يقال زوجته معه وبينما شقة بعيدة، وكذا يقال: فلان معه دار كذا وضيعة كذا.
فتأمل نصوص المعية كقوله تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} (الفتح: من الآية 29) ، {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة: من الآية 43) ، {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} (التوبة: من الآية 83) ، {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} (الحديد: من الآية 14) ، {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: من الآية 119) ، {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} (هود: من الآية 40) ، {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ} (لأعراف: من الآية 64) ، {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} (البقرة: من الآية 249) {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران: من الآية 53) ، {وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} (المائدة: من الآية 84) . وأضعاف ذلك هل يقتضي موضع واحد منها مخالطة في الذوات التصاقًا وامتزاجًا فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب تعالى عن ذلك حتى يدعي أنها مجاز لا حقيقة فليس في ذك ما يدل على أن ذاته تعالى فيهم، ولا ملاصقة لهم ولا مخالطة ولا مجاورة بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه"مع"المصاحبة والمرافقة والمقارنة في كل أمر من الأمور وذلك اقتران في كل مقام بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقة فإذا قيل الله مع خلقه بطريق العموم كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم وإذا كان خاصًا كقوله إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ